محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
834
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وجوده مكانيّا وليس هو في ما وجوده غير مكاني ظاهر حتى يؤوّل أو يفسّر . ومن فسّره بانتقال مكاني فقد خالف الظاهر ، كما أنّ من فسّر : أتى أمر اللّه بأمر مكاني فقد خالف الظاهر ؛ ويجب أن يراعي في التفسير والتأويل حال اللافظ وحال الملفوظ عليه ، وحال القرائن فيهما حتّى لا يزيغ عن الجادّة ؛ ومن ظنّ من أهل التأويل أنّ الإتيان المذكور ليس بمجيء شخص في ظلل من غمام الستر فقد أخطأ ، وكما يجوز في التأويل المذكور حمله على ملك أو أمر أو آية كذلك يجوز حمله على شخص له أمر أو شخص هو آية أو شخص فيه ملكية ؛ وقد ورد في التوراة : جاء اللّه من طور سيناء ( 344 آ ) وظهر بساعير وعلن بفاران ، وحمل ذلك على موسى وعيسى ومحمّد - صلوات اللّه عليهم - إذ كان ظهور الشرائع والحقائق بهم ومراتبهم في الدرجات مراتب المجيء والظهور والإعلان ؛ فالمجيء مبدأ ، والظهور وسط ، والإعلان كمال ، وسيناء معروف باستماع الكلام عليه ، وساعير جبال بيت المقدّس معروف بظهور الكلمة به ، وفاران جبال مكّة معروف بإعلان الكلمات عليه ، والظلل من الغمام هو الستر بعد الستر حتّى يأتي اللّه بأمره . فقضي الأمر وتمّت الكلمات ووضع الكتاب وجيء بالنبيّين والشهداء وقضي بينهم بالحقّ ؛ وعند كمال الحال تظهر آيات الرجال وتظهر الآيات بالرجال . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 211 ] سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 211 ) النظم ولمّا ذكر الآيات التي هي منتظرة ذكّرهم بالآيات التي هي ماضية ليستدلّ بالماضي على المستقبل . التفسير قال ابن عبّاس في رواية عطاء : يريد سل الذين آمنوا منهم ؛ وقال مقاتل : هم يهود المدينة وعلماؤهم عموما ؛ فيكون السؤال توبيخا لا استخبارا .